يرى أندرياس كريج، الأستاذ المشارك في دراسات الدفاع بجامعة كينجز كوليدج لندن، أن الضربة السعودية على ميناء المكلا لا يمكن قراءتها كحادثة عسكرية عابرة، بل باعتبارها رسالة استراتيجية تعكس تحولًا حادًا في موقف الرياض من سياسات أبوظبي داخل اليمن، بعد سنوات من التوتر المكتوم بين الطرفين حول شكل اليمن ومستقبله.
ينشر ميدل إيست آي هذا التحليل في سياق متابعة التحولات الإقليمية داخل التحالفات الخليجية، خصوصًا مع تصاعد التناقض بين الرؤية السعودية الساعية إلى تهدئة إقليمية، والرؤية الإماراتية القائمة على بناء نفوذ شبكي عابر للحدود.
ضربة عند حافة الصبر
قبيل منتصف ليل أحد أيام ديسمبر، أصدرت السعودية تحذيرًا عاجلًا عبر قنواتها الرسمية، طالبت فيه المدنيين بإخلاء محيط ميناء المكلا شرقي اليمن، معتبرة ما يجري هناك تهديدًا وشيكًا لأمنها القومي. بعد ساعات، وصلت سفينتان قادمتان من الفجيرة الإماراتية، وأغلقتا أنظمة التتبع قبل إنزال مدرعات وأسلحة قيل إنها موجهة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من أبوظبي.
مع فجر 30 ديسمبر، قصفت الطائرات السعودية الميناء في عملية وصفتها الرياض بالمحدودة، لكنها كانت كافية لإيصال الرسالة إلى أبوظبي. أظهرت وسائل إعلام يمنية أعمدة دخان تتصاعد من الميناء، وآليات محترقة قرب الأرصفة. ردّ رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بالمطالبة بخروج القوات الإماراتية خلال 24 ساعة، وإلغاء اتفاق دفاعي، وفرض قيود طارئة على الموانئ والمعابر.
اختارت السعودية لغة غير معتادة في توصيف ما جرى، واعتبرت أمنها القومي «خطًا أحمر»، ووصفت التحركات الإماراتية بأنها «بالغة الخطورة».
اليمن: فناء خلفي أم رقعة شطرنج؟
يشرح المقال أن سياسة السعودية في اليمن تشكلت خلال السنوات الأخيرة بفعل تجربة مكلفة منذ تدخلها العسكري عام 2015. دفعت هذه التجربة الرياض إلى إعادة صياغة دورها الإقليمي، فمالت إلى الدبلوماسية وخفض التصعيد، وأنهت حصار قطر عام 2021، وأعادت العلاقات مع إيران عام 2023، ضمن مسعى لتهيئة بيئة إقليمية مستقرة تدعم التحول الاقتصادي الداخلي.
في اليمن، انعكس هذا التحول عبر الانفتاح على وساطة عُمان، والحفاظ على قناة تواصل مع الحوثيين، على أمل تحويل الهدنة إلى مسار سياسي يسمح للرياض بالتراجع دون ترك فراغ أمني على حدودها الجنوبية. كما دعمت السعودية إنشاء مجلس القيادة الرئاسي عام 2022 لمحاولة جمع الفصائل المناهضة للحوثيين تحت مظلة واحدة.
لكن المصالح السعودية ظلت غير قابلة للمساومة. تقبل الرياض تسوية غير مثالية، لكنها ترفض يمنًا معاديًا أو مفتتًا إلى كيانات مسلحة. بالنسبة لها، اليمن ليس ساحة نفوذ بعيدة، بل فناء خلفي مباشر.
في المقابل، يتبنى النهج الإماراتي رؤية مختلفة، تقوم على المرونة وبناء شبكات نفوذ غير تقليدية. تعتمد أبوظبي على الميليشيات، والقوى المحلية، والشركات الأمنية، وشبكات المصالح الاقتصادية، وتغلف ذلك بخطاب محاربة الإسلام السياسي، بينما تركز فعليًا على الموانئ، والممرات البحرية، والعقد اللوجستية.
جنوب شبه دولة ورسالة المكلا
في الجنوب اليمني، دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي ليغدو كيانًا شبه دولتي، يملك قيادة سياسية، وقوات أمن، وشبكات رعاية محلية، مستندًا إلى خطاب انفصالي متجذر. خلال الأسابيع الأخيرة، وسّع المجلس نفوذه في حضرموت، ودفع الحكومة المدعومة سعوديًا نحو الهامش، ما حوّل مشروعًا طويل الأمد إلى واقع مفروض.
هنا تحوّل القلق السعودي إلى أزمة استراتيجية. باتت الرياض تواجه سيناريو «يمنين ونصف»: شمال تحت سيطرة الحوثيين، وجنوب يهيمن عليه المجلس الانتقالي، وحكومة اسمية بلا أرض فعلية. جاءت ضربة المكلا لتعلن رفض السعودية قيام قوس انفصالي يمتد نحو ممرات بحرية حيوية تشكل ثقل اليمن الجيوسياسي.
تكتسب المكلا أهميتها من موقع حضرموت نفسه، أكبر محافظات اليمن، والبوابة الشرقية بين الخليج والجزيرة العربية، ذات الروابط التاريخية العميقة مع السعودية. ومع تصاعد الهجمات الحوثية في البحر الأحمر، ازدادت حساسية الرياض تجاه أي طرف قد يحول السواحل اليمنية إلى أداة ضغط.
رسالة استراتيجية ومخاطر مفتوحة
يخلص المقال إلى أن ضربة المكلا تمثل تحولًا نوعيًا، ورسالة تحذير واضحة إلى أبوظبي بأن مرحلة بناء نفوذ موازٍ داخل اليمن تحت مظلة «التحالف العربي» تقترب من نهايتها. ترى الرياض أن الضغط قد يكون اللغة الوحيدة التي تفهمها أبوظبي، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الضغط وحده لا يصنع سياسة يمنية متكاملة.
يحذر الكاتب من أن استمرار هذا المسار قد يعمّق الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ويمنحهم قوة إضافية. تمتلك السعودية أدوات لا تزال مؤثرة، من التحكم في المجال الجوي، إلى الغطاء الدبلوماسي، وقدرتها على جمع الأطراف، ويمكنها توظيفها لفرض خطوط حمراء واضحة: منع الإمدادات العسكرية غير المصرح بها، ورفض التغييرات الأحادية في السيطرة، والدفع نحو مسار سياسي يعالج المظالم الجنوبية دون تحويلها إلى مشروع انفصال مسلح.
تمثل المكلا نقطة انعطاف. أطلقت السعودية ما يشبه طلقة تحذيرية عبر مقدمة سفينة حليفة، في لحظة إقليمية لا تحتمل اشتعال سواحل جديدة. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تلتقط أبوظبي الرسالة كدعوة لإعادة التفاوض، أم كبداية لمواجهة نفوذ على ضفاف بحر لا يحتمل مزيدًا من الحرائق؟
https://www.middleeasteye.net/opinion/yemen-war-mukalla-strike-shows-riyadh-has-run-out-patience-abu-dhabi

